عبدالوهاب دردير : فى ظل غياب الرقابة على الوزارات، انفرد المسئولون بها حتى أنهم أصبحوا يتصرفون فى وزاراتهم كما يتصرف أصحاب العزب الخاصة فى عزبهم، لهذا كان من الطبيعى أن تتحول وزارة "الأوقاف" إلى هذه الدرجة من البشاعة والفوضى، وأصبحت أموال الوقف "أموال سايبة" يغرف منها المسئولون كما يحلو لهم، بل الأدهى من ذلك أن يصل الأمر بالمسئولين لأن ينقلوا ويُشردوا كل موظف رفض التعاون معهم فى إهدار الأموال العامة، ووفقًا لما وصل إلينا من مستندات سنحاول كشف هذه الحقيقة، والتى نرصدها من داخل مافيا وزارة الأوقاف لنهب المال "الخاص بالوقف الخيرى" والاستيلاء على أراضى الوقف الخيرى، بل والأهم من ذلك ما يحدث داخل مديريات الأوقاف -خاصة مديرية أوقاف القاهرة- التى وصل الأمر فيها إلى ضم مساجد وهمية وزوايا على أنها مساجد، مرورًا بإهدار الملايين لأراضى الوقف الخيرى بمنطقة المعادى بشارع على عبدالعزيز وانتهاء بنقل وتشريد كل من يقف فى طريقهم .البداية إهدار ملايين الجنيهات فى أراضى الوقف ببنى سويف، ووفقًا لما وصلنا من مستندات نكشف عن مافيا أراضى الوقف الخيرى على مستوى محافظات الجمهورية نبدأها بمافيا أراضى الوقف بمحافظة بنى سويف حيث استطاع حوت بنى سويف "عزوز على عزوز" الاستيلاء على 101 فدان من أراضى الوقف والتى تقع فى قريتى "سُدس الحكيم" و"حسن علام" بمركز ببا حيث كانت الأوقاف تمتلك مساحة 101 فدان و9 قراريط و42 سهمًا أجرَّتها لـ36 أسرة.
ـ المحاولة الأولى
حاول حوت بنى سويف -بنفوذه- أن يستولى على هذه المساحة عام 1973م، ولكن فى ذلك الوقت رفضت هيئة الأوقاف، وأحبطت المحاولة عن طريق الحكم الاستئنافى رقم 739 عام 1974م مدنى مستأنف القاهرة، والذى أقامته هيئة الأوقاف المصرية بتاريخ 10/12/74 بإلغاء وتعديل الحكم رقم 2915 لسنة 74 وتعيين رئيس هيئة الأوقاف بصفته حارسًا قضائيًا على أملاك الوقف الخيرى التى تبلغ مساحتها 101 فدان و9 قراريط والتى منها 52 فدانًا بزمام "سدس الحكيم".
ـ المحاولة الثانية تنجح
ورغم كل ذلك ودفاع الهيئة عن أراضى الوقف، كرَّر حوت بنى سويف محاولته الثانية مرة أخرى فى عام 2002 بعد أن وضع الخلطة السرية مع مسئولى هيئة الأوقاف سواء بمنطقة بنى سويف أو الهيئة نفسها لينجح عزوز على عزوز فى عام 2002م -عن طريق "المخلصاتية" من مسئولى الوزارة وهيئة الأوقاف المصرية- فى الاستيلاء على هذه المساحة، التى تعتبر من أخصب وأجود الأراضى الزراعية بمركز "ببا" وبالتحديد فى 28/5/2002م ويستولى على مساحة 101 فدان و14 قيراطًا منها حوالى 52 فى قرية "سُدس الحكيم"، بعد أن سهَّلوا مهمته بكونه حارسًا قضائيًا لهذا المساحة.
ـ تشريد الأسر
وبدأ حوت بنى سويف -تحت مسمع ومرأى من مسئولى هيئة الأوقاف المصرية- يستولى على الأرض بحجة أنه حارس قضائى، ويبدأ فى تشريد 36 أسرة ويقسِّم هذه الأرض إلى مساحات ليتم بيعها علنًا دون أن يحاسبه أحد، وبالفعل تم البيع لـ"معتز سيد إبراهيم" وآخرين.. وحتى تكون اللعبة متقنة، حاول الحوت تغيير الحيازات بأسماء المُشترين ليتم تملّكها.. كل هذا وهيئة الأوقاف صامتة وكأن الأمر لا يعنيها.. وما يثير الدهشة والعجب أن الهيئة تصدَّت لمحاولته الأولى عام 73 ولكنها التزمت الصمت فى محاولتة الثانية سنة 2002م بل وساعدته فى استخدام الحيازات بأسماء المشترين.
ـ نقل الحيازة
وبالفعل ، وبناء على مخاطبات من منطقة بنى سويف للجمعية التعاونية الزراعية، تم نقل الحيازة وأصبحت هذه الأرض لها حيازتان: الأولى الحائز الرئيسى والذى استأجر الأرض من وزارة الأوقاف، والحائز الثانى الذى اشترى الأرض التابعة للأوقاف من حوت بنى سويف.
ـ المزارعون يشكون
ولم يكن أمام 36 أسرة سوى الشكوى لكل المسئولين حيث ذهب كل من "حسن لملوم، ولطفى فتحى، وعبدالمنعم محمود" -من المستأجرين لهذه المساحة- للجمعية التعاونية الزراعية، وتساءلوا أمام المسئولين كيف تكون لنا حيازة ومُسجلة لديكم فى حين تستخرجون بطاقة حيازية لآخرين لنفس المساحة؟!!.
ـ رد الجمعية
كان رد المسئولين بالجمعية ردًا صادمًا حين أجابهم المهندس حسان أحمد مصطفى، والمهندس وطنى جمعة حسانين، بأن استخراج الحيازات لآخرين ليس بأيدينا بل بناء على تعليمات وكيل وزارة الزراعة.
ـ غرائب الأوقاف
راحت آمال هؤلاء المزارعون تتطلع لرئيس الهيئة فى إنقاذهم، ولكن يبدو أن نفوذ حوت بنى سويف أكبر من القانون!! حيث كان رد الهيئة أنه على المزارعين أن يدفعوا إيجار الأرض، ورد لطفى على محمود -أحد المنتفعين- متسائلاً: كيف ندفع إيجارًا للهيئة و"عزوز" يمنعنا من أرضنا التى نزرعها من 50 سنة؟!.. يا ريت ترجعوها لنا.. فما كان من مسئول الهيئة سوى الرد عليهم بأن الموضوع كبير ولم أعرف ردًا لكم سوى أنكم مستمرون فى دفع الإيجار حتى نصل إلى الحقيقة.
ـ ..ويستغيثون بوزير الأوقاف
حاول المتضررون الوصول لوزير الأوقاف لكن لم يستطيعوا فكتبوا شكواهم، والتى موَّقع عليها من 36 أسرة متضررة يشكون فيها حالهم وسحب الأرض التى يقتاتون منها، ولكن كالعادة لم يجد الوزير حيلة سوى إرسال الشكوى برمتها -دون أخذ قرار فيها- إلى هيئة الأوقاف التى يسيطر عليها حوت بنى سويف، حيث أرسل الوزير الشكوى لمكتب رئيس الهيئة فى 29/3/2005م.
ـ رد رئيس الهيئة
وكالعادة أيضًا، حينما يتعلق الأمر بأحد أصحاب النفوذ، يتهرب المسئولون، وبالفعل لم يأخذ رئيس مجلس إدارة الهيئة قرارًا بهذا الشأن، وإنما أحال الشكوى فى 29/4/2005م برقم 731 إلى الملكية العقارية، وفى الملكية العقارية كانت المفاجأة.
ـ المفاجأة
وصلت كل هذه الشكاوى برمتها إلى يد حوت بنى سويف ليجمع المزارعون ويستعرض أمامهم عضلاته ونفوذه ويقول لهم: هذه هى شكواكم للوزير ولرئيس الهيئة وللملكية العقارية وللجمعية الزراعية، لأنكم لم تعرفوا أننى أقوى من القانون!!، وهكذا ظلت 36 أسرة مُشرَّدة وضاع 101 فدان و9 قراريط من أراضى الوقف دون أن يتحرك أحد.
ـ سوهاج
والأمر بمحافظة سوهاج لا يختلف كثيرًا، حيث تجاوزت منطقة أوقاف سوهاج كل الحدود وضربت بقوانين أموال الوقف عرض الحائط على مسمع ومرأى من مسئولى وزارة الأوقاف والهيئة المصرية، حيث استطاع نائب دار السلام "أحمد عبدالسلام قورة" أن يأخذ تخصيص مساحة فدان ونصف الفدان من أرض الوقف الخيرى، بحجة بناء مدرسة عليها بـ"حوض نجع راتب" مع أن هذه المساحة تتعدى 192 فدانًا، وبذلك لا يجوز البيع فيها لأنها مساحات كبيرة وزراعية، وفقًا لقانون هيئة الأوقاف المصرية، ولكن كل هذا لا ينفع مع وجود النائب عن الحزب الوطنى، وبالفعل حصل النائب على التخصيص دون النظر لـ3 أسر تعيش من دخل هذه الأرض وشكى أحمد عبدالمطلب وأخوته للمسئولين، ولكن كان نفوذ النائب أقوى من القانون وتعليمات الهيئة.
ـ القاهرة
بمنطقة البساتين، هناك مساحة تبلغ 9 أفدنة تمتلكها هيئة الأوقاف المصرية، تم الاستيلاء عليها، وهى توجد بمنطقة "الوحدة" أمام مساكن الجمهورية وعمارات الأوقاف وجمعية الوحدة، حيث بمعاونة المسئولين عن الوقف الخيرى ضاعت هذه المساحة التى تبلغ 19 فدانًا ويصل المتر الواحد فيها إلى حوالى 6 آلاف جنيه.
ووفقًا لما وصلنا من مستندات استطاع أحد أصحاب النفوذ أن يحصل على مستند يوضح أن الأرض ليست أرض أوقاف، فى حين أن هذه الأرض قد قامت هيئة الأوقاف بإصدار حق انتفاع بها من قبل، كما بنت عمارات ببعض المساحات منها، ووفقًا لما حصلنا عليه من مستندات، فإن منظمة بيلان الدولية قد استصدرت أمرًا من الأوقاف ببناء حديقة عليها وبالفعل تم إنشاء حديقة، وسرعان ما تمت إبادتها بحجة أنها أرض وقف، والسؤال الذى يطرح نفسه: كيف يكون ذلك ومنطقة البساتين تصدر خطابًا بأن الأرض ليست ملكًا للأوقاف فى 18/7/2006م والذى بمقتضاه يستحوذ أحد أصحاب النفوذ على مساحة فدان ونصف الفدان منها باسم زوجته.
ـ مصر الجديدة
وفى إدارة مصر الجديدة الحال أسوأ، حيث إهدار الملايين، بل وصل الأمر بأحد الأئمة من أصحاب النفوذ بالوزارة لتشريد العاملين بأحد مساجد مصر الجديدة، وبالتحديد مسجد "عمر بن عبدالعزيز"، وذلك بعد أن رفض هؤلاء ضياع مقدرات المسجد.
ـ معارك الأئمة
فى ظل كل هذا الفساد كان من الطبيعى أن تحدث معارك بين الأئمة على من يتولى زمام إحدى الجمعيات المُلحقة بالمسجد، حيث اتهم الشيخ عبدالله بكار، الشيخ "صلاح نصار" بأنه صاحب نفوذ ويستولى على أموال الجمعية فى حين هدَّد الشيخ نصار بأنه يستطيع نقله، وظل هذا الحال قائمًا ولم تتدخل الوزارة، ووفقًا للمستندات من خلال مذكرات التحقيق التى صدرت بوقف منحة الشيخ محمود عبدالله بكار بتاريخ 11/11/2009م برقم 491 ولكن فى ظل الفوضى وتحكم مراكز القوى بالوزارة لم يتم شيء بل تمت مكافأة الشيخ بـ"منحة للحج" رغم كل هذه التحقيقات التى أجريت معه ومطالبة الشئون القانونية بوقف "المنحة".
ـ تشريد العاملين
رفض العاملون بمسجد مصر الجديدة، السكوت عن الفساد، فعاقبهم الإمام بتشريدهم ونقلهم حيث تم نقل عبدالحفيظ محمد إلى مسجد الظواهرى، وإبراهيم نعيم إلى مسجد العزيز بالله، وعبدالحميد محمد إلى مسجد عمر بن الخطاب، وأحمد عبداللطيف محمد إلى مسجد الشفاء.. ورغم كل هذا صمت مدير أوقاف القاهرة بل وحفظ كل الشكاوى المتقدمة ضد الإمام "بكار"، والسؤال الذى يطرح نفسه:
لماذا لم يتحرك وزير الأوقاف لمحاسبة المتجاوزين؟، ولماذا يصمت وكيل الوزارة ومدير مديرية أوقاف القاهرة عن مثل هذا الإمام؟، وما ذنب المُشردين من أماكنهم سوى أنهم لا يسكتون عن الفساد؟.