هدير زهدى:
شهدت مواد البناء فى مصر بالآونة الأخيرة حالة من الفوضى، ففى حين شهدت أسعار الأسمنت ارتفاعات جنونية، سادت حالة من الفوضى العارمة داخل أسواق الحديد بسبب الأسعار المتضاربة عند تجَّار التجزئة والجملة، وكذلك ضعف الإنتاج المحلى بسبب الاستيراد من الخارج وفرض رسوم إغراق على الحديد المستورد.
يقول د. صلاح جودة، مدير مركز الدراسات الاقتصادية، إنه رغم ما نص عليه قانون حماية المنافسة من حظر الاتفاق أو التعاقد بين أشخاص متنافسين فى أى سوق -لأن ذلك من شأنه أن يُحدث رفعًا أو خفضًا أو تثبتًا فى الأسعار سواء بالبيع أو الشراء أو تقييد عمليات التصنيع أو التوزيع أو التسويق وإلا تعاقب الشركة وصاحبها بغرامة لا تقل عن 30 ألف جنيه ولا تزيد على 10 ملايين- إلا أن السيدة منى ياسين، رئيس جهاز المنافسة ومنع الاحتكار، تؤكد وجود ممارسات احتكارية بالفعل بين الشركات المُنتجة لرفع الأسعار وتقييد عمليات التسويق، وهو ما يخالف القانون.
ويفسر د. "جودة" ارتفاع أسعار الأسمنت بأنه نتاج الطرق التى تلجأ إليها مصانع الأسمنت لتعطيش السوق عن طريق تلك الأعمال الوهمية التى تقوم بها الشركات فى تعطيل نشاطها سواء بإعطاء إجازة للعمال أو بحجة إجراء صيانة فى الخطوط بطريقة غير مُقنعة.
كما يذكر لنا تفسير بعض مستثمرى هذا المجال, الذين أسندوه إلى ارتفاع مستلزمات إنتاج الأسمنت كورق الشكائر وقطع الغيار اللازمين للصناعة والمصانع، وأسعار سوق المحاجر، وأيضًا ارتفاع تكاليف النقل ومعظم مدخلات الإنتاج الأخرى.
ويوضح د. "جودة" أن بعض أصحاب المصانع يُبررون تلك الزيادات بزيادة الطلب الخارجى على الأسمنت، خاصة من الدول العربية، ومصر تحتل المركز السادس بين الدول المُصدرة للأسمنت، فضلاً عن سيطرة الشركات الأجنبية على حوالى 70% من صناعة الأسمنت وهو ما حذّرت منه لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشورى والعديد من الخبراء الاقتصاديين والمستثمرين المصريين.
أما فيما يخص الحديد فيؤكد د. صلاح جودة أن الأزمة تكمن فى عدم توافره، نتيجة قيام أصحاب المصانع بتعطيش السوق المصرية، فما يحدث هو لعبة لمصلحة أفراد معينين هدفهم التلاعب بالأسواق حتى يكون الطلب على الحديد أكثر من المعروض ليتحكموا فى الأسعار ويحققوا أكبر قدر من الربح على حساب المستهلكين، وقد اتهم بعض التجَّار أصحاب المصانع والوكلاء المتعاملين معهم بأن التجَّار الكبار يأخذون الحديد بالأسعار المُعلن عنها ثم يبيعونها لتجار التجزئة والمستهلكين بأسعار أعلى.
ويضيف د. "جودة" أن البعض يرى أنها أزمة عالمية وأسعار الحديد فى مصر ليست أزمة مفتعلة، وذلك نتيجة ارتفاع التكلفة الاستيرادية للمادة الخام "البليت" عالميًا، ولزيادة الطلب فى الصين إلى جانب تكاليف الشحن والرسوم والجمارك والضرائب، وأيضًا ارتفاع سعر الخردة عالميًا، وعدم كفاية الإنتاج المحلى منها.
ويرى آخرون أن هذه الأزمة ترجع إلى عدم تدخل الدولة -متمثلة فى الحكومة ووزارة الصناعة والتجارة- فى تحديد السعر المناسب لطن الحديد بناء على التكلفة الحقيقية لتصنيع الحديد بالمصانع ومن حق الدولة -حسب القرار الجمهورى رقم 3 لسنة 2005م بند "10"- أن تضع السعر المناسب لأسعار الحديد المنتج من المصانع بما يناسب المُنتج والمستهلك, ورغم ذلك تركت الدولة للمصانع تحديد الأسعار دون التدخل من جانبها مما دفع المصانع إلى تحديد أسعار الحديد حسب وجهة نظرها وبأسعار عالية جدًا بهدف الربح دون مراعاة للمستهلكين.
وأكد د. "جودة" أن معظم المصانع استفادت من الأزمة المالية العالمية بأن قامت باستيراد كميات كبيرة من الحديد من "أوكرانيا وتركيا" بأسعار مُخفضة, وتم تخزين هذه الكميات والتى تكفى احتياجات مصر لمدة عامين قادمين، وكان على رأس هذه الشركات "عز الدخيلة", و"بشاى", و"البوريني", و"السويس للصلب"، ولذلك ينادى أصحاب المصالح بفرض رسوم إغراق حاليًا، وذلك حتى تتم المحافظة على المكاسب التى تحققت بفعل استيراد الحديد خلال الفترة السابقة, وبالتالى يُباع الحديد بالأسعار التى يُحددها المحتكرون لهذه السلعة المهمة.
ويؤيده فى ذلك أحمد الزينى، رئيس غرفة مواد البناء، بقوله إنه لا يوجد سبب واضح لارتفاع سعر الأسمنت سوى وجود "بيزنس خاص" بين الشركات وبعضها لرفع أسعار الأسمنت ومن ثم ترتفع أسعار مواد البناء بصفة عامة.
كما يؤكد أن ارتفاع أسعار الحديد عالميًا دفع إلى البدء فى نشاط الإنتاج المحلى وزيادة الطلب عليه، موضحًا أن توقف استيراد الحديد سيؤدى إلى خلل فى كمية الحديد المُستخدم، ومن ثم ارتفاع الأسعار أكثر من ذلك.
ويؤكد الدكتور صلاح الدين فهمى، أستاذ اقتصاد بجامعة الأزهر، أهمية دور قطاع الإسكان حيث إنه يحرك جميع قطاعات الاقتصاد القومى من عمالة ومواد البناء بخاماتها ومتطلباتها, مضيفًا أنه لابد للدولة أن تهيمن بالكامل على هذا القطاع ولا تترك التصرف فى أيدى المؤسسات الصغيرة التى تهدف إلى الربح فى المقام الأول, مما يدفع شركات الإنتاج إلى تحويل قصورها على الشعب فى صورة رفع الأسعار بصورة مُبالغ فيها.
ويشجع "فهمى" حركة الاستيراد بتساؤله: ما الداعى لأن ننتج وفى استطاعتنا أن نستورد بسعر أقل؟!! ويذكر أنه على الدولة أن تفتح المجال لاستيراد الأسمنت مما يساعد فى انخفاض سعره.
بينما يرى حمدى عبدالعظيم، الخبير الاقتصادى، أن ارتفاع أسعار الأسمنت يرجع إلى ارتفاع أسعار الخامات المستخدمة فى صناعته إلى جانب زيادة تكاليف الطاقة، وأيضًا دخول استثمارات أجنبية فى هذا المجال، مما يؤدى إلى رفع الأسعار لتتفق مع الأسعار العالمية.
ويشير "عبدالعظيم" إلى أن الطلب على مواد البناء مستمر مهما ارتفعت أسعارها، وذلك لاستمرار حركة البناء والمشروعات الإسكانية والمدن الجديدة وخلافه، إلى جانب أن شركات الأسمنت تعد شركات احتكارية تتحكم فى العرض بالنسبة للطلب حيث تقوم بتقليل العرض، فى ظل زيادة الطلب، فترتفع الأسعار.
كما يشير "عبدالعظيم" إلى أن منافسة الدول الخارجية بأسعار أقل تُقلل بدورها العمل الاحتكارى للمصانع المحتكرة خاصة "الحديد".
وأخيرًا يشير د. مختار الشريف، الخبير الاقتصادى، إلى أن ارتفاع أسعار مواد البناء عمومًا يُعد مؤشرًا لزيادة الطلب عليها واستمرار حركة البناء والعمران بقوة، كما أن عمليات الاستيراد من الخارج تشير أيضًا إلى عدم كفاية الإنتاج المحلى لاستمرار عملية البناء والتعمير داخليًا.
ويضيف د. الشريف أن فرض رسوم إغراق على الحديد المستورد يتطلب أولاً وجود حالة إغراق بالفعل يثبتها المُتضرر، وتنتج عن ذلك زيادة تكلفة السلعة على المشترى .