حاتم شلبى:
تحرص الحكومة دائمًا على تعزيز حالة "التغييب" المستمر للجماهير وأفراد الشعب عن غالبية الأحداث والفعاليات المهمة والتى "تمس" من قريب "الشأن الوطنى"، من أجل التغطية على الإخفاقات المستمرة فى جميع الشئون والقضايا الوطنية لخدمة أجندتها الواضحة، لاسيما قضية البث التليفزيونى لجلسات مجلس الشعب على الهواء أو مُسجلة، والتى باتت مطلبًا لكثير من نواب المجلس وأعضائه فى محاولة لدعم التواصل مع الجماهير.. ومن ناحية أخرى فهى حق أصيل للمجتمع كى يشاهد ويرى ويُقرِّر آراءه وتوجهاته نحو أداء المجلس وثقته فى قدرة أعضائه على تحقيق قدر من النمو والتقدم وتحقيق الآمال والمطالب حتى يمكن للمواطن والمجتمع ككل حق تقرير مصيره وتصحيح اختياراته والحكم عليها.
واستخدمت الحكومة نفوذها من خلال وزارة الإعلام وتلاعبت بالقضية وتم منع نقل جلسات المجلس النيابى على الهواء فى قناة النيل للأخبار، كما كان يحدث فى الماضى، وتبارت الوزارة فى عدم تبرير القرار، رغم تقدّم عدد من النواب بطلبات لرئيس المجلس يطالبون فيها بنقل الجلسات على الهواء باعتبارها جلسات غير سرية، وفى الوقت الذى انتشرت فيه الأنباء والأخبار عن تدشين قناة خاصة بمجلس الشعب تبث الجلسات وتكون مُتخصصة ومتابعة وتقوم بتغطية جميع أنباء وأخبار مجلس الشعب.
وتدخل مقص الرقيب بقوة وأصبح المونتاج السياسى لجلسات مجلس الشعب لا يعتمد على أى مقياس موضوعى فى قلب الحقائق وتزييفها.
يؤكد الدكتور أيمن نور، رئيس حزب الغد السابق، عضو مجلس الشعب السابق، أن هذه القضية تحديدًا تشهد بالفعل مهزلة ويتم التعامل معها بسفه شديد وأصبح المونتاج السياسى لجلسات مجلس الشعب لا يعتمد على أى مقياس موضوعى فى قلب الحقائق، فالأهم من مضمون الكلام هو قائله، فأحيانًا يستجيب المجلس لاقتراح مقدم من نائب معارض لكن الاستجابة بقدرة قادر تتحول على الشاشة إلى استجابة لاقتراح مقدم من الدكتور زكريا عزمى.
ويوضح الدكتور أيمن نور أن المشكلة ليست فى ضيق الوقت المخصص بقدر ما هو فى ضيق أفق المتخصص فى "مَنتَجت" هذه التقارير وفقًا لقواعد المونتاج السياسى، فخلف كل رقيب مقص يستمتع بتحويل التقرير التليفزيونى إلى تقرير مباحثى، فالمهارة بالنسبة له ليست حجب بعض الحقائق بل هى قلب كل الحقائق.
وقال "نور" جرّب أن تشاهد التقرير الذى يذيعه التليفزيون المصرى عن جلسات مجلس الشعب فجأة سيمتلكك شعور بأن المعروض أمامك هو بث حى لجلسة من جلسات العلاج الطبيعى فى السرايا الصفراء.
وفجأة ترى أناسًا يتصارعون دون أسباب مفهومة للمشاهد وأحيان أخرى ترى وزراء يردون على أمور لم ترد أمامك على لسان النواب ووقائع أخرى لم تسمع إلا الإجابة عنها دون أن تسمع عنها أصلاً.
وشبَّه جلسات البرلمان المُذاعة بالكلمات المتقاطعة حيث عدد الرقع السوداء أكثر من عدد الرقع البيضاء وعلامات الاستفهام والتعجب وما يعرضه التليفزيون أقل مما يقوم بحجبه.. فإذا ساق نائب مئات الاتهامات فلن يذاع إلا أتفهها، وإذا كان الوزير فى حالة مهزوزة فى رده على حوالى 99 نقطة، ومتماسك فى نقطة وحيدة، ذاعوا رده عليها ورفضوا إذاعة الاتهام.. ويشبه نور الحوار بالمجلس بأنه "حوار الطرشان" أو "مسرحية" من المسرحيات التجريبية ويمكن أن تقول جلسة علاج جماعى فى السرايا الصفراء لأنه فعلاً برلمان السرايا الصفراء.
وأضاف: عندما تشاهد جلسات البرلمان صناعة أنس الفقى تختلط عليك الحقائق.
ويقول محمود مخاليف، عضو مجلس الشعب السابق، إن هذه الجلسات من المفترض أنها فى الأصل مُذاعة مباشرة ورغم ذلك لم تتم إذاعتها بشكل مباشر، واستغرب قيام التليفزيون بإذاعتها مُسجلة وبشكل مشوَّه، وهذه الخطوة استاء بسببها غالبية أعضاء المجلس من القيادات الإعلامية الحكومية، والتى تدافع عن هذا التوجه وخوفها من الفضائح أمام الشعب، وكشف حالات وعمليات الفساد المختلفة وعدم قدرة الحكومة على إخضاعها للمراقبة الشعبية وساهمت فى حرمان المجتمع من الاطلاع على الجلسات حتى يراقبوا الحكومة ومن يقومون بانتخابهم، وهناك أحداث ودلائل فى جلسات عديدة شملت أحداثًا مثيرة داخل المجلس.
ورد عمر شلبى، المحامى، بأن ما يحدث فى قضية منع نقل جلسات مجلس الشعب مباشرة ودورها فى حجب بل وقلب الحقائق يبين وبشدة مدى حالة الخوف والرعب التى تسيطر على الحكومة، لاسيما خوف الحكومة من الإخوان المسلمين، مُطالبًا ببث مباشر لهذه الجلسات أو عدم بثها أصلاً، وإذا حدث ذلك سيكون من حق مجلس الشعب اتخاذ موقف قوى وحاسم, وأشار إلى أن الصبغة والتركيبة السياسية التى يتألف منها المجلس الحالى دعَّمت هذا الخوف قائلاً: الإعلام المصرى مصمم على عدم نقل الأحداث والمناقشات وتفاصيل الأداء البرلمانى داخل المجلس .