مازلنا فى ربوع النوبة.. بين تلك الأيام وهذه اللحظة التى أكتب فيها تلك السطور
لحظات فارقة فى عمر حزب شباب مصر.. أسابيع قليلة مرّت على توجّهنا للنوبة.. وبينها
وبين لحظات النشر حدث الكثير من التغيرات والانقلابات.. آخرها المناظرة الساخنة
التى اشتعلت بيننا وبين حزب التجمع عبر برنامج "48 ساعة" الذى تقدّمه "هناء السمرى
وسيد على" بقناة المحور.. هذه المناظرة التى كان البطل الرئيسى فيها سفرنا وتجوالنا
فى منطقة النوبة.. والتى ضربنا بها مثالاً بأن المصريين جميعهم يحتاجون إلى من
يصدقهم القول والتحرك بعيدًا عن التنظير السياسى من قلب المكاتب المُكيفة.. قلنا فى
البرنامج إن أحزاب المعارضة بلا استثناء، خاصة تلك الأحزاب القديمة فشلت فى تقديم
الطرح البديل والاقتراب من قضايا رجل الشارع.. مما جعل رجل الشارع يبتعد عنها..
وكشفنا فى البرنامج عن تحركات حزب شباب مصر فى قلب القرى والنجوع.. وفى قلب
الشارع.. وبعدها تلقينا مئات المكالمات الهاتفية تعقيبًا على الحوار الساخن الذى
دار فى البرنامج والذى ننشره كاملاً فى هذا العدد.
لقد كان سفرنا للنوبة هو بطل البرنامج.. وكانت رغبتنا فى التحرك الإيجابى هناك هى
حائط الصد الذى دافعنا به فى برنامج قناة المحور، وأكدنا خلاله أن الشعب المصرى فى
حاجة إلى حزب يصدقهم القول من أجل أن يتحرك من خلاله..
لقد كان أهالينا هناك فى النوبة هم الأمل الذى جعلنا نشعر بأن تحركنا لم يضع
هباءً.. ففى النوبة تجد أصالة الأرض السمراء وخضرتها ونبتها وزرعها.. وماءها..
وسواقيها.. ونيلها.. وروعتها.. وبهاءها.. ورونقها.. وعطاءها.. تجد الناس الطيبة..
تجد المواويل العذبة.. تجد المصرى بأصالته وجذوره وتاريخه.. وثقافته وكرمه.. وهو ما
وجدته فى الحاج "صيام الطيب".. هذا الرجل الرائع الذى تعرفت عليه أثناء زيارتنا
لنصر النوبة.. والذى حرص صديقنا محمد شوقى سعدالله، أمين حزب شباب مصر، على أن
نلتقى به، أما السبب فقد قاله صديقنا "سعدالله" إنه يمثل النوبة.. وهو رمز من
رموزها.. وتصوَّرت أن محمد سعدالله يُبالغ فى الأمر وأنه يحتفى ويزهو بأبناء
منطقته.. لكن ما أن التقيت الحاج "صيام" حتى اكتشفت أن "محمد" لم يبالغ بالمرة
ووجدت الرجل هو رمز حقيقى لمنطقة النوبة.. سمرته تكشف الستار عن مصريته وأصالته..
استقبلنا فى منزله بحفاوة.. قدَّم لنا بنفسه الشاى النوبى الرائع.. وبدأ حديثنا كما
لو كان يعرفنا منذ سنوات طويلة.. ابتسامته صافية تنم عن حفاوته وكرمه.. تحدثنا فى
اتجاهات شتى.. فى قضايا غير عادية كشفت الستار عن ثقافة غير عادية يملكها الرجل..
وتحدث الرجل عن أوجاع النوبة..
تحدث عن
قضاياها البسيطة.. وأحزانها التى لا يحاول البعض أن يراها..
توقف الرجل عند هذه القضايا وتحديدًا عند قضية قلة الإمكانيات التى تُدار بها
المشروعات الكبرى..
ـ قال الرجل:
إن منطقة نصر النوبة
بها مركز شباب ضخم جدًا.. وأنفقت الحكومة عليه ملايين الجنيهات.. لكن المشكلة أنه
مغلق بالضبة والمفتاح رغم أن مساحته تتجاوز عشرة أفدنة.. وكانت مرصودة له ملايين
الجنيهات لكن فى النهاية أشجاره وزهوره احترقت بسبب عدم وجود العنصر البشرى الذى
يُدير هذه المنظومة..
كذلك نادى الأدب
-يقول الحاج صيام- الذى كان ينتج أحلى القصائد والقصص والأغانى.. وكل أنواع
الفنون.. هو الآخر اندثر وتوقف.. أما السبب فتجده فى مبنى قصر ثقافة نصر النوبة،
الذى تم قطع الكهرباء عنه، وتم قطع المياه أيضًا عنه بسبب عدم القدرة على دفع
رسومها.. وهو يعانى من قلة الإمكانيات الداخلية المادية والبشرية.. رغم إنفاق
الملايين عليه لتشييده.
وكل ذلك نتاج
عدم التخطيط الجيد، فالمبانى كبَّدت الدولة مشقة غير عادية من أجل بنائها لكن يبقى
فقط العنصر البشرى والميزانيات الداخلية.. وبسبب الروتين أغلقت كل هذه المبانى
وتجمد كل شىء مكانه وأصبحت الملايين فى خبر كان مع أن مجرد قرار بسيط وسريع يقوم
بدعم هذه المبانى بعنصر بشرى وميزانية بسيطة ينقذ الوضع، خاصة أن شباب النوبة يعانى
البطالة ويعانى الفراغ ويعانى الإحساس بعدم اهتمام الدولة به بسبب بعد المسافات
بينه وبين العاصمة ومؤسسات اتخاذ القرار.
ويستطرد الحاج "صيام" كما لو كان بطلاً قادم من قلب الأساطير:
ـ حتى أحزاب المعارضة التى عولنا عليها كثيرًا فشلت فى أداء دورها المنوط بها هنا..
ـ قلت للرجل:
ما تقوله صحيح ومتفق معك
فيه تمامًا.. لكن دعنا نتفق معًا أن حزبًا مثل حزب شباب مصر ذا العمر القصير، والذى
لا يتجاوز الشهور على الساحة السياسية.. ورغم صغر عمره، فإننا نجحنا فى أداء دورنا
بطريقة لافتة للنظر أثارت ضدنا الكثير من التحديات والأحقاد، حيث إن معظم الأحزاب
القديمة أصبحت تفتقد الشرعية والتواجد فى الشارع.. فيما نجح حزب شباب مصر فى أن
يتواصل مع الجماهير عبر خطاب مختلف، وعبر آليات مختلفة تهتم بالأشياء والقضايا
البسيطة بعيدًا عن عمليات التنظير السياسى التى اكتفت بها الأحزاب الأخرى..
ـ وقال الحاج "صيام":
دعنا نتفق أن
الاهتمام بالتوعية أمر مهم جدًا لكى يساعد المواطن على النهوض والارتقاء بالمجتمع
والوطن.
ـ قلت للرجل:
مؤكد ذلك صحيح.. لأن التوعية هى التى تجعل المواطن نفسه قادرًا على أن يُدافع عن
حقوقه بعد أن يعرف مسئولياته بشكل جيد، وفى ذات الوقت العبور من منطقة الخوف
والجمود والعجز والسلبية إلى منطقة الفعل الإيجابى، مستغلاً فى ذلك حالة الحراك
الموجودة، وليس أدل على ذلك من حضور سائق عربة نقل للقاء جماهيرى كنَّا نعقده فى
إحدى المحافظات، وقال لنا إنه ترك عمله من أجل حضور اللقاء لكنه فى حاجة لأن يمضى
إلى حال سبيله لأنه يشعر بأن الأمر ليس سوى كلام.. قال ذلك فى البداية دون أن يُدرك
بالطبع مضمون التحرك الذى نُخطط للقيام به، خاصة أنه كان حديث عهد بالحزب وكان ذلك
يعد أول لقاء.. فسألته عن الرشاوى التى يدفعها فى حياته اليومية من أجل إنهاء
مصالحه، فأكد الرجل أنها تتجاوز الأربعين جنيهًا يوميًا.. فقلت له: وماذا إذا كنت
قادرًا على الدفاع عن حقك، فهل ستدفع هذه المبالغ يوميًا؟! فأجاب بالنفى.. فقلت له
نحن هنا من أجلك.. من أجل أن تتحول إلى شخص قادر للدفاع عن حقك وتتصدى للرشاوى التى
تدفعها لكل من هبّ ودبّ.. وهو أمر يأتى بالتوعية والتثقيف والمواجهة والتعلم على
المواجهة الحقيقية.. وتحول هذا السائق إلى عضو فاعل الآن فى حزب شباب مصر، وقادر
على الدفاع عن حقوقه.. والدفاع فى ذات الوقت عن حق الآخرين.. إذن القضية تبدأ من
اقتناع المواطن بأن الحزب لم يأت للسفسطة والجدل إنما جاء من أجل مصلحته هو.
ـ قال الحاج "صيام":
هو ما تقول..
وصحيح أيضًا إذا كانت توعية المواطن ستكون قادرة على أن تجعله يواجه الأجهزة
التنفيذية المسئولة والتعامل معها بوعى وإدراك.. وهو أمر نحتاجه ليس على المستوى
النوبة فقط، بل على مستوى أسوان ومصر كلها، خاصة فى مشاكل بسيطة مثل مشكلة المرور
حيث إن كل شوارع مدينة أسوان مثلاً تُعد بمثابة مصيدة للسيارات لأن شوارعها لا توجد
بها إشارة مرورية واحدة تكشف للسائقين شكل أو وضع الاتجاه، وبالتالى يتم تحرير مئات
المخالفات للسيارات بالسير عكس الاتجاه حتى أن أحدهم تم تحرير ثلاث مخالفات فى ساعة
واحدة له لأنه ظل يدور فى الشوارع دون أن يعرف اتجاهاتها ونظام السير فيها.
ـ قلت للرجل:
مؤكد التوعية هى نقطة
الانطلاق لكن التوعية التى تدعم قضايا هذا المواطن البسيط.. وهو ما نفعله فى كل
محافظات مصر.. وفى مختلف قراها ونجوعها.. كما أننا نحرص كل الحرص على أن يبقى
المواطن هو البطل الرئيسى لاهتمامنا.. وقضاياه البسيطة هى محور اهتمامنا.. حيث لا
توجد فى حزب شباب مصر تحركات خاصة للحزب إنما التحركات بأثرها من أجل دعم هذه
القضايا والنتيجة تزايد عدد العضوية بمعدلات غير مسبوقة.. بين الأحزاب كلها..
ونجاحنا فى خوض انتخابات المحليات..
ـ
فقال الحاج "صيام":
نعم بالفعل خاصة
إذا كان لديك نوع من اللامركزية للتحرك فيها.
ـ عدت أقول له:
هو ما نفعله فعلاً..
فنحن نُعدّ الدورات التثقيفية والتأهيلية للشباب لدينا.. ونتابعهم فى بداية التحرك
الخاص بهم.. ثم نُطلق لهم العنان فى التحرك لكن فى إطار البرنامج الحزبى لنا.
ـ ولفت الحاج "صيام" إلى أن القضايا البسيطة هى التى تُوجد اهتمام الشباب.. وتجعل
المجتمع نفسه لديه تقبل غير عادى للحزب مثل مشكلة الخبز.. فهى مشكلة بسيطة بالنسبة
للأحزاب لكن بالنسبة للمواطن البسيط تمثل محور اهتمام حياته، بل الركيزة الأساسية
لانطلاقه.
و..............
تجّول بنا الحديث فى جنبات شتى.. فى قضايا النوبة توقف الحديث بنا طويلاً.. فى
قضايا الوطن.. فى قضايا العالم.. ضحكت والسعادة تغمرنى وأنا أستمع لحديثه.. يرتدى
الجلبات والطاقية النوبية.. مثل جل الثلج.. كان يخفى أكثر ما يعلن ويكشف.. يخفى خلف
سنواته الكثير من الثقافات.. استأذنته على موعد باللقاء .
العدد القادم نواصل الحلقات