البعض تقتضى ظروفه المادية المتعثرة أن يكتب كتابه على سُنة الله ورسوله ثم "بيتك بيتك"، أو ربما يذهب العروسان إلى مكان هادئ مع الأهل والمقربين حيث يتحمل كل فرد مصاريفه الشخصية.. البعض الآخر يصرف على حفل الزفاف، أو "ليلة العمر" -كما يُسميها المصريون– مبالغ جبَّارة تكفى لتزويج عشرات الشباب والفتيات.. لكن هل توقع أحدكم أن هناك نوعًا ثالثًا من البشر يُقيم "الفرح" خصيصًا لجمع الأموال، وجنى الأرباح الهائلة فى ليلة واحدة، حتى وإن كان العريس الذى يجلس مع العروسة فى "الكوشة" مجرد ديكور، تم استئجاره خصيصًا لحبك قصة وهمية، فقط من أجل البيزنس؟!
على طريقة "اللمبى بيتجوز يامّه.. كل واحد يدفع النقطة اللى عليه، واللى مش هينقطنى ليلته سودا"، عاد الكاتب أحمد عبدالله الذى أثبت تألقه -مؤخرًا- فى فيلمه قبل الأخير "كباريه"، بعد أن غسل به عار "اللمبي" ومعه "السبكي" الذى قرر أن يتطهر من آثامه الفنية، ليقدما من جديد نسخة فنية "محترمة" بعنوان "الفرح"، بعد أن نسى الجمهور أنهما من أرباب السوابق الفنية، وأن صحيفة الحالة الجنائية الفنية لكل منهما تحمل لقب "مسجل خطر سينمائيًا"، ومع انضمام المخرج المبدع سامح عبدالعزيز ومعظم نجوم "الكباريه" لقافلة العمل، حانت لحظة الامتحان الجديد، ليثبت الجميع أن النجاح فى التجربة الأولى إما مجرد "فلتة" لن تتكرر، أو خلطة فنية جديدة توصل إليها السبكى ومن معه، بشكل قادر على جذب الجمهور وإمتاعه وإفادته فى الوقت نفسه، فما النتيجة التى سيستقر عليها ذهنك فور خروجك من دور العرض يا ترى؟!
من خلال نوعية أفلام اليوم الواحد التى تتوالى فيها الأحداث المختلفة والعلامات الفارقة فى شخصيات أبطال الفيلم، ويمثل "الفرح" نقطة تلاقى كل هذه الشخصيات مع تباين واختلاف أحلامهم، وطموحاتهم، ومشكلاتهم، وأسباب تواجدهم فى الحدث، يرصد "الفرح" كيف صارت الأفراح الشعبية تمثل "بيزنس" جديدًا استخرجه البسطاء والمهمشون، من باطن العادات والتقاليد، فى الأماكن الشعبية والعشوائيات، حيث لا تكف عقول المصريين عن اكتشاف طرق جديدة، وأساليب مختلفة لجنى المكسب من "الهوا" وتحويل التراب ذهبًا، حيث لم يجد "زينهم – خالد الصاوي" وسيلة مشروعة لهزيمة الفقر، وتحقيق حلمه التعس بشراء سيارة ميكروباص من أجل غدٍ أفضل لزوجته "صفية - روجينا" وكوم اللحم المعلق فى رقبته، لكن عادات وقيم أهل المناطق الشعبية التى تحتم على كل أفرادها وقاطنيها، أن يدفعوا "النقطة" بالمئات والآلاف، تعبيرًا عن فرحتهم وتقديرهم، لكل عريس وأى عروس من أهل "الحتة"، كانت المخرج الوحيد لحل أزمته!
الطريف أنه متزوج ولا أحد فى أسرته مقبل على الزواج حتى يجنى من ورائه النقطة، لكن لا مانع من "تمثيلية" بسيطة توهم أهل المنطقة كلها أن لديه أختًا "على وش جواز" وقد حان الوقت لدخلتها على عريسها، والأهم أنه قد حان ليترجم كل أهل المنطقة عن حبهم له بأوراق البنكنوت.
من هنا يتضح دور معازيم الفرح "الوهمي" وأسباب حضورهم، سواء "محمود الجندي" متعهد الأفراح الذى حوَّل الأفراح إلى جمعيات، حيث يُقيم الفرح، ويعزم معازيم وهمية يدفعون مبالغ طائلة لصاحب الفرح، على أن يرد صاحب الفرح لكل منهم المبلغ الذى دفعه كل منهم، فى أفراحهم أو أفراح ذويهم، وإن مات يظل المبلغ الذى تلقاه دينًا عليه يسدده الورثة!
بينما تم استئجار "ياسر جلال" و"جومانة مراد" المكتوب كتابهما أصلاً، من أجل حبك "التمثيلية" وتمثيل دور "العروسين"، وبالمرة يستفيد العروسان "الأونطة" من المبلغ الذى يتقاضاه كل منهما فى تجهيز فرحهما الأصلى الذى اقترب موعده بعد الفرح الوهمي، خاصة أن العريس قد دخل بالعروسة دون علم أهلها بعد أن طالت فترة كتب الكتاب لسبع سنوات، ويجب إجراء عملية ترقيع لغشاء البكارة، حتى لا يفتضح أمرهما فى فرحهما المنتظر، والذى تحتم العادات والتقاليد أن يخرج فيه العريس بدماء شرف عروسته أمام المعازيم وأهلها!
نترك لكم المشاهدة، دون التمادى فى حرق قصة الفيلم، لكن كل ما أستطيع أن أعدكم به، أن الفيلم أكثر من رائع، ويستحق بالفعل المشاهدة، لتحلل بثمن تذكرتك كمًا غير طبيعى من السعادة والضحك والدموع والتأثر فى مزيج درامى عجيب قلما يجتمع فى عمل فنى بهذه الحرفية، وهذا التألق غير العادى فى المباراة التمثيلية التى لعب فيها معظم الأبطال أدوارهم ببراعة منقطعة النظير، وعلى رأسهم خالد الصاوي، وكريمة مختار، وماجد الكداوني، وصلاح عبدالله، وروجينا وجومانة مراد ودنيا سمير غانم وياسر جلال وسوسن بدر، بينما لم يقدم الفيلم أى جديد يضاف لحسن حسنى وباسم السمرة ومى كساب.
من ناحية أخرى تألق الكاتب أحمد عبدالله فى ذبحك وزغزغتك بقلمه ومشاهده وشخصياته التى رسمها بموهبة متميزة وأستاذية عالية، وعاونه فى ذلك مخرج قدير يغوص فى أعمق أعماق الفكرة ويتطرق لأدق التفاصيل التى تبرزها وتترجمها لصوت وصورة، بالإضافة إلى ديكور أكثر من رائع يعبر عن البيئة المعنية بالأحداث خير تعبير، لكن يُعاب على الفيلم غلبة الموسيقى والأغانى الشعبية، وارتفاعها على بعض الجمل الحوارية المهمة بين أبطاله فى الفيلم.
أجمل ما فى الفيلم أن نهايته غير تقليدية، لكنها للأسف لن تروق للإخوة غير المثقفين من السادة المشاهدين، الذين اعتادوا وتعودوا أن تسقيهم السينما الفكرة الدرامية بملعقة دون أى تفكير أو اجتهاد عقلي، وهذا ما حدث بالفعل حولى فى دور العرض حينما تساءل الكثيرون عن المقصود من النهاية، التى جاءت فى صورة نهايتين، لا أحد يعرف أيهما الحقيقية، وأيهما الخيالية التى يتصورها بطل الفيلم، بينما قصد المؤلف أن يقدم للمشاهد حلين لم يستطع أن يكتف بأحدهما فطلب من الجمهور أن يختار معه ما يناسبه ويروق له، لكن هذا الجدل والخلاف، هو ما يبين -من وجهة نظري- عبقرية الفكرة،
ويعكس أنها تقنية مختلفة، وغير معتادة للجمهور، لكنى أكاد أقسم أنها ستتحول إلى موضة فى الفترة القادمة فى العديد من الأفلام .